مدى القلق بشأن الرحلات الفضائية طويلة الأمد على الجسم
في السابع والعشرين من آذار عام 2015، أرسلت وكالة ناسا الفضائية رائد الفضاء سكوت كيلي إلى الفضاء لمدة 340 يومًا مُتتاليًا؛ بهدف الكشف عن تأثير التنشئة في الطبيعة مقابل التنشئة في الفضاء، كجزء من دراسة التوأم التابعة لوكالة ناسا.
بينما صعد سكوت إلى الفضاء بقي شقيقه التوأم رائد الفضاء السابق مارك كيلي على الأرض يعيش حياة طبيعية، قررت ناسا إجراء الدراسة على الأخوين كيلي دون غيرهما؛ لوجود ميزات فريدة لديهم، ذلك لأنهم توأمان متطابقان و كلاهما رائدان فضائيان.
وقبل إجراء الدراسة تم أخذ عينات بيولوجية من الشقيقين؛ لمعرفة التغيرات التي تطرأ على سكوت ومقارنتها مع عينات شقيقه مارك.
تم نشر صورة أولية لهذه الدراسة عام 2019، وفي عام 2020 تم نشر مجموعة من 19 دراسة جديدة و بالإضافة إلى عشرِ أوراق يتم مراجعتها وتجهيزها للنشر قريبًا.
لم تكن هذه العملية فقط للدراسة والمقارنة، بقدر ماهي مهمة بشكل متزايد في ظل التطورات المتلاحقة التي تحدث في هذا القرن، وتقدم السفر إلى الفضاء واقتراب العلماء من إرسال البشر إلى القمر، تزداد الحاجة إلى معرفة تأثير الرحلات الفضائية على الجسم خاصة الرحلات طويلة الأمد.
ما مدى تأثير الرحلات الفضائية طويلة الأمد على جسم الإنسان؟
من خلال الدراسة التي أجرتها وكالة ناسا وبمقارنة النتائج التي حصلت عليها من سكوت بشقيقه مارك، ظهرت هناك العديد من التغيرات الجسمية والنفسية، منها:
يتعرض جسم الإنسان يوميًا للإشعاع الفضائي، لكن بكميات قليلة؛ نتيجة وجود المجال المغناطيسي والغلاف الجوي، لكنها ليست بالخطيرة، بالمقابل يتعرض رائد الفضاء إلى أضعاف ما يتعرض له الإنسان العادي من الإشعاع، وبالتي يكون له بعض المخاطر الصحية والتي تتضمن السرطانات وبعض الأمراض الإنتكاسية، مثل: أمراض القلب، للتغلب على هذه المخاطر تعمل ناسا على تطوير أجهزة كشف إشعاع جديدة لمراقبة البيئة الإشعاعية في سبيل تقليل فرص تعرض رواد الفضاء للإشعاع، خاصة اللذين يقضون فترات طويلة في الفضاء.
عند الصعود للفضاء، هناك بعض الآثار الجانبية المباشرة التي تظهر، وهي: الشعور بالدوار وبدء العضلات والعظام بالضمور، حيث تنخفض كثافة العظام بأكثر من %1 شهريًا، نتيجة عدم ممارسة أية أعمال تتطلب جهد ومقاومة، الحل الأمثل للتغلب على هذه المشكلة هو ممارسة الرياضة، فقد يقوم رواد الفضاء بممارسة التمارين الرياضية لمدة ساعتين على الأقل كل يوم في المحطة الفضائية.
بعد عدة ساعات من مكوث رواد الفضاء في المحطة الفضائية يظهر لديهم مشاكل في الرؤية، نتيجة الضغط على العينين واضطرابات ضغط الدم، كما تتراكم السوائل بشكل أكبر في النصف العلوي من الجسم.
عند وصول سكوت إلى الأرض، تم ملاحظة تغيير في جيناته، نتيجة ضغوط السفر والتي يمكن أن تُغيّر المسارات البيولوجية داخل الخلايا، ما يتسبب في إنتاج دهون وبروتينات جديدة أو تشغيل وتعطيل جينات معينة، فقد وجد الباحثون مجموعة فرعية من جينات سكوت ظلت معطلة بعد عودته، وكذلك كان طوله بوصتان، حيث إن انعدام الجاذبية يؤدي إلى زيادة المساحة بين فقرات العمود الفقري والتي بدورها تزيد من طول الجسم، وكذلك انخفاض كتلة الجسم واختلال وظائف الجهاز المناعي وضعف الميتوكندريا المسؤولة عن توليد الطاقة للخلايا اللازمة لأداء الأعضاء حتى تقوم بوظائفها على الوجه المطلوب، وكذلك تغيرات في ميكروبيوم الأمعاء، وهي عبارة عن كائنات حية دقيقة تعيش في الأمعاء، تلعب دورًا مهمًا في صحة الجسم.
فضلًا عن كل هذه الآثار الصحية، هناك آثار نفسية، تتمثل في العزلة، حيث يترك رائد الفضاء عائلته وأصدقاءه وراءه ويذهب إلى حياة جديدة تختلف كليًا عن حياته الطبيعية.
يعتبر السفر إلى الفضاء والهبوط على سطح القمر حُلمًا لدى البعض، فهناك حياة لم نكتشفها بعد، لكن ربما بعد سنوات من الآن يتحول هذا الحلم إلى واقع، في سبيل ذلك يجب الأخذ بعين الإعتبار المخاطر والأضرار التي تصيب الجسم نتيجة الرحلات طويلة الأمد وعدم إغفالها، وكذلك ابتكار أفضل الطرق التي تحافظ على صحة رواد الفضاء.
إعداد: لانا عثمان
2022-03-14 || 16:17