ما زالت أوراق الخريف السابق باقية على الأرض وسقطت عليها أوراق الخريف الحالي لتواسيها على فقدان من كانوا يجلسون في المقهى، وما زالت شقوق أبواب الخشب تزداد تصدعًا من وحشة الاشتياق على من كانوا يدخلونها، فالكراسي الخشبية الجاثمة في زوايا المقهى والممتلئة بالغبار تستهجن أين ذهب جالسوها؟ والجدران تتساءل عن أصوات المغنين والشخصيات الاعتبارية التي كانت تأتي إليها. فأول من جلس فيها هم الأتراك، عدا عن الحكواتيين والشعراء الذين قدموا إليها من مختلف البلاد العربية.
نتحدث هنا عن مقهى الشيخ قاسم، أقدم مقهى في دمشق الصغرى وثاني أقدم مقهى في مدينة نابلس برمتها. هذا المكان الذي يملأه عبق التاريخ وأجمل الذكريات، وتحتضنه مدينة نابلس داخل أزقة بلدتها القديمة. أنشئ مع إنشاء سوق الخان الجديد، ويُرجح أنه تم بناؤه أواخر العام 1906. كان يمتلكها الشيخ قاسم هاشم وتوارثها أبناؤه من بعده، أما الآن فيديرها محمد كلبونة "أبو سليمان".
ما بين الماضي والحاضر
"ما كانت تفضى.. ليل نهار مليانة والعمل فيها شيفتات"، يقول كلبونة بكل حرقة وهو يستذكر حال المقهى. لقد كان المقهى مقصدًا لأهالي نابلس، إذ كانوا يقضون فيه أوقاتًا يروحون فيها عن أنفسهم، ففي الثلاثينيات والأربعينيات كان المقهى في أوج أزدهاره ومن كثرة الرّواد لم يكن هناك متسع للجميع.
سعد الدحدوح (73 عاما) ما زال أحد روّاد المقهى ويزوره يومياً، يحدثنا عن المقهى بكلمات ملؤها الشفقة: "الله على القهوة كيف كانت زمان، أنا زبون دائم، كان الكل يأتي إليها وتمتلئ بالناس. لو أن هذه القهوة ترمم بشكل ممتاز سوف تصبح أفضل المقاهي وأثمنها". أما الآن فالمقهى يفتقر لروّاده، إذ يأتي إليه ما يقارب (10-15) شخصًا يوميًا وهم من المعتادين عليه، وأغلبهم من الكبار في السن. إذ يخلو المقهى من الشباب دون سن الأربعين.

تضفي واجهة الزجاج الملون رونقاً خاصاً على المقهى، وتقصله عن الحديقة
وبعد يوم عمل شاق، يأتي أبو يوسف مع أصدقائه الذين تجاوزت أعمارهم الستين، ويوضح أبو يوسف: "أُفضّل هذه القهوة على غيرها لأنها قريبة من بيتي، وهادئة ولا يوجد فيها إزعاج وبعيدة عن صخب المدينة وضجيجها، إضافة إلى أنني أتناول أرجيلة التمباك مع القهوة.. وهذا فقط ما أريده". فيما يقول صديقه أبو سعيد: " السعر مناسب كذلك، ونحن نجلس فقط لساعتين نلعب فيهما طاولة الزهر والورق (الشدة)، ومن ثم نرحل".
فيما يُرجح أصدقاء أبو يوسف أن سبب عزوف الناس عن المقهى كونه غير مستحدث، وخيارات التقديم فيه سواء من المشروبات أو الأرجيلة قليلة وتكاد تكون معدودة على أصابع اليد.
انتخابات برلمانية وشخصيات اعتبارية
استقطب المقهى "الباشاوات" الأتراك في نابلس، حتى بات زبائن المقهى يتباهون بأنهم من رواد مقهى الشيخ قاسم. يأتوه لشرب القهوة وتدخين الأرجيلة، ويلعبون الورق "الشدة"، وطاولة الزهر. وكان مالكها محمد كلبونة وأولاده يعملون ليل نهار، ويعودون لبيوتهم عند صلاة الفجر. وفي ليالي رمضان، كان المقهى مقصداً للجميع بعد الإفطار، إذ كانت تزدحم بروّادها الذين يجدون أجواءها في رمضان أجواء مميزة.
قديمًا، شهد المقهى خطابات للانتخابات البلدية والبرلمان. إذ كان المرشحون يأتون إليها من أجل إعلان برامجهم الانتخابية أمام مرأى الناس ومسمعهم. عام 1951 تأُسس أول برلمان مشترك بين الضفة الشرقية والضفة الغربية، حيث أتى المرشحون إلى المقهى، وهم: عبد الرحمن السيسق وفائق العنبتاوي ومصطفى بيك البشناق، واعتلوا طاولاتها الخشبية معلنين عن برامجهم الانتخابية.
كذلك زار المقهى عدد من الشخصيات، على رأسهم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني عام 1932. وحضر إليها كذلك يوسف هيكل رئيس بلدية يافا، وخلوصي الخيري رئيس بلدية الرملة، وراغب النشاشيبي الذي كان يُعرف بشخصية القدس الأولى آنذاك عام 1931، كما استقبل المقهى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي أتاه متخفياً كي لا يلفت الأنظار.

ربما كان يقف في هذه الزاوية من المقهى ثلاثة أو أربعة عاملين لخدمة الزبائن
أم كلثوم وأسمهان
أما عن الفن، فكان للمقهى نصيب كبير منه، والكثير من الفنانين المعروفين أحيوا حفلات فيه، منهم أسمهان وأم كلثوم، التي قدمت مع المُلحن زكريا أحمد إذ كانت في بدايات رحلاتها في الغناء العربي، وكذلك غنّى فيها فريد الأطرش وفتحية أحمد، وازداد المقهى شهرة بعد غنائهم في ساحته وبين زبائنه.
وفي الشيخ قاسم وجد أول مذياع في مدينة نابلس، حيث كان الرجال يجتمعون يومياً ويسهرون حتى ساعات الصباح للاستماع إلى المذياع. وكان المقهى المكان الذي يحتضن احتفالات المولد النبوي كل عام. ويؤكد كلبونة: "في الثلجة القوية الأخيرة التي عصفت بمدينة نابلس سقط السقف، رجعنا رممناها ورجعناها أحسن من الأول، واحنا كل سنة منزبطها ومنفرشها ومنرممها عشان تستقبل الزبائن".
"روحها راحت مع مالكها"
لكن وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى، قلّ أعداد رواد المقهى شيئاً فشيئاً، فوضع البلدة القديمة المتردي آنذاك كان سبباً رئيسياً في ذلك، ويذكر كلبونة: "كان لوفاة مالكها محمد كلبونة أثرا كبير أيضاً". وساء حالها حتى يومنا هذا، وكما يقول كلبونة: "روحها راحت مع مالكها".
مقهى فطوم ومقهى والشيخ ياسين المجاوران لمقهى الشيخ قاسم في باب الساحة، أغلقا منذ زمن طويل. ولكن مقهى الشيخ قاسم، شأنه شأن البلدة القديمة كلها بمحلاتها وصناعاتها المهمشة ما زال صامدا. ويُرجع خبير الآثار عبد الله كلبونة شيخوخة المقهى لعدة أسباب، ويقول: "إن الظروف التي ألمت بالبلدة القديمة بشكل عام من انتفاضة واحتلال، أدت إلى ترك نصف أو ثلث سكانها لها. أضف إلى ذلك انتقال المراكز الاقتصادية خارج البلدة القديمة والمقاهي الحديثة التي فتحت معها، فمن هذا المنطلق يفضل العامل المقهى القريب من عمله، ويتكاسل بالوصول إلى المقاهي الموجودة داخل البلدة القديمة".

لم يتم إجراء أي تعديلات على الساحة المكشوفة من المقهى
الأجانب يعتبرونها كنزاويضيف كلبونة سببا آخر على هذه الأسباب وهو التطور والتغيير في أساليب الناس وحياتهم، ويرى أنها من أهم الأسباب التي تجعل الناس تحيد عن مثل هذه المقاهي. ويعتبر كلبونة مقهى الشيخ قاسم وكذلك جميع مباني البلدة القديمة كنزا يجب الحفاظ عليه، وعلى الجهود أن تتضافر لإعادة ترميمه.
هناك، في مقهى الشيخ قاسم وعلى النافورة التي استرعت انتباههم يجلسون ويشربون القهوة ويأكلون الكنافة النابلسية، يتأملون في المقهى وكأنه تحفة فنية خالصة امتزجت ألوانها القديمة مع ملامح الحاضر المشوّهة. ليزا من أستراليا أبدت إعجابها الشديد بالقهوة، وقالت: "أود أن أعرف تاريخ هذه القهوة. يا لجمال ألوانها وتقسيمها! إنها عريقة وفخمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى". أتت هنا للمرة الثانية مع زوجها وصديقتها، بعد أن سبق وأتت في المرة الأولى وحدها. هؤلاء الأجانب ليسوا الوحيدين الذين أتوا إلى المقهى، فلطالما كان المقهى مقصدًا للعديد من الأجانب من أجل اكتشافه والجلوس فيه للاستمتاع بهدوئه.
إعداد: هبة بطة وحلا البزرة
المحرر: عبد الرحمن عثمان