أول قلب صناعي في فلسطين ينبض في نابلس
قصة زراعة قلب صناعي هي الأولى في فلسطين، لم تعد الحياة لجسد المريض أحمد وعائلته فقط، بل هي بمثابة أساسيات بناء دولة فلسطينية عصرية متقدمة ثقافياً وتعليمياً وطبياً.
كانت عيون والدة المريض أحمد ترقص فرحاً في مستشفى النجاح الجامعي، وكانت بسمة الأمل ترتسم على تقاسيم وجهها وهي تحدثنا عن الحياة، التي انبعثت من جديد في شرايين قلب ابنها، الذي عاد للخفقان من جديد دون أي منغصات أو ألم.
قصة أحمد قبل إجراء العملية مؤلمة في وصف تفاصيلها، غريبة عجيبة في المسلسل اليومي لهذا الفتى، الذي حرمه المرض من السير مع أصدقائه الذين كانوا يلعبون ويمرحون في ملاعب الصبا، وهو طريح الفراش منهك الجسد.
سوائل تحرق قدميه
تزوجت أم أحمد وعمرها 16 عاماً، وبعد عشرين سنة زواج أنجبت أربعة أبناء، وهم أحمد 18 عاماً وهو عنوان قصتنا، وعدي 17 عاماً وسند 15 عاماً والصغيرة شجن 8 سنوات. تقول أم أحمد بعد تعب سنوات وسنوات، إن ابنها أحمد كان يعاني منذ طفولته من إرهاق شديد وتعب عام، خاصة عندما يصعد درج أو يسير نحو مرتفع.
شخص الأطباء في بيت لحم حالته على أنها (مرض إنفلونزا)، وكان أحمد يتناول دواء الإنفلونزا ولم يكن يطرأ على صحته أي تحسن، وتقول والدته: إن حالته كانت تزداد سوءا من يوم إلى آخر، رغم عشرات الصور الشعاعية، التي التقطها الأطباء له في عياداتهم داخل فلسطين وإسرائيل.
وفي نهاية المطاف، ازدادت معاناة أحمد وبات يجد صعوبة في قضم حتى تفاحة، أو صعود درج منزله الذي يقع في الطابق الثالث من العمارة التي كانوا يسكنون بها. هذه المعاناة اليومية دفعت أسرته إلى استئجار بيت أرضي بدلاً من شقتهم التي يملكونها في الطابق الثالث، حتى يخففوا عنه عناء التعب جراء الصعود والهبوط اليومي.

وبعد رحلة من العذاب اليومي جراء الزيارات المكوكية للأطباء، تبين أن أحمد يعاني من ضعف عام في عضلة القلب، يرافقه تضخم واعتلال كبير. وتقول أم أحمد إن ابنها كان محروماً من أصناف عديدة من الطعام، كما حرمه المرض من ممارسة الرياضة ولعبة كرة القدم التي يعشقها. وكان أحمد يشرب قليلاً من السوائل لأنها كانت تتسبب في انتفاخ جسده.
وعن مأساتها مع أيام مرضه تقول والدته: لم يكن رفيقه في الليل سوى السهر والدموع، خاصة عندما كانت تخرج السوائل من أسفل قدميه وتتسبب في حرقهما. وتصف والدته الدموع والآهات، التي كان يعاني منها أحمد مما رفع تحرق من وتيرة قلقها على مستقبله، خاصة أن أحمد تلميذ خلوق ومجد في دراسته، فقد اجتاز امتحان التوجيهي ونجح فيه رغم أوجاعه. وتضيف الأم أن ابنها لم يتمكن من الاحتفال بنجاحه لأنه كان في وضع صحي سيء لم يمكنه من النزول من غرفته.
أحمد ومستشفى النجاح
تقول الأم: إن الشك تسلل إلى نافذة قلبي وعقلي، واسودت الحياة في عيوني، وأصبت بحالة من اليأس الذي فرض إيقاعه على يوميات حياتي. وانبثق شعاع الأمل من جديد عندما طرقت باب الدكتور محمد نصر، أخصائي قلب يعمل في مدينة الخليل، الذي أخبرني عن وجود بروفيسور فلسطيني بارع في جراحة القلب يدعى الدكتور سليم الحاج يحيى، ويشرف على إدارة مستشفى النجاح الجامعي بنابلس.
وتضيف الأم: "على الفور اتصلت مع المستشفى وتمكنت من الوصول إلى سكرتيرة البروفيسور سليم، الذي طلب مني إعادة كافة الفحوصات وإجراء بعض التحاليل. وتتابع أم أحمد حديثها قائلة: إنه إنسان رائع واثق مهني، خلوق ومبدع زرع فينا الأمل، وأعاد لنا نور الحياة بعد مسلسل طويل من الألم والمعاناة، وتلك الصفات تنسحب على الطواقم الإدارية والطبية في المستشفى، الذين لم يتحفونا ببراعتهم الطبية فقط، بل ببراعتهم في رفع معنويات المرضى وتهيئتهم نفسياً قبل إجراء أي عملية.
وتضيف أم أحمد، "أن البروفيسور سليم أعرب عن استعداده لجلب طلاب من كلية الحقوق بجامعة النجاح، لشرح بعض المواد وتلخيصها لابننا المريض أثناء مكوثه في المستشفى، وهي لفتة جميلة لتخفيف الضغط النفسي عن أحمد، الذي يتحرق شوقاً لالتحاق بجامعته بعد أن يتماثل للشفاء التام".
أول قلب صناعي في فلسطيني
قصة زراعة قلب صناعي هي الأولى في فلسطين، أثارت شجن وسائل الإعلام على مختلف تفرعاتها، وهذه القصة لم تعد الحياة لجسد المريض أحمد وعائلته فقط، بل رفعت من معنويات الذين اعتبروا هذا الإنجاز بمثابة أساسيات بناء دولة فلسطينية عصرية متقدمة ثقافياً وتعليمياً وطبياً، لكسر الاحتكار لمهنة الطب.
الكاتب: ماجد أبو عرب
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-01-16 || 11:46