"مفاتيح بلا بيوت": هل أصبح الجنوبيون الفلسطينيين الجدد؟
معرض "احكيلي يا جنوب" في بيروت يوثق ذاكرة جنوب لبنان عبر مفاتيح المنازل المدمرة وقصص سكانها الذين فقدوا بيوتهم.
غلبت الدموع فاطمة حاج علي وهي تحدق في السقف أثناء زيارتها معرضاً فنياً في بيروت، بعدما وجدت في المفاتيح المتدلية منه، وهي كل ما تبقى من منازل هدمتها ضربات إسرائيلية في جنوب لبنان، تذكاراً لجرح لم يندمل.
وقالت حاج علي (23 عاماً) وهي تمسح دموعها: "كان ينبغي أن نعود ونفتح باب بيتنا به، لكن لم يعد هناك باب". ومثل عشرات الآلاف من اللبنانيين، دمر منزل حاج علي المتحدرة من بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان، خلال جولتي الحرب اللتين خاضتهما إسرائيل مع "حزب الله" بين العامين 2023 و2026، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
دمار واسع وقيود على العودة
ودمرت الحرب عشرات البلدات والقرى بشكل شبه كامل. ورغم تراجع وتيرة القتال بعد التفاهم الذي وقعته إيران والولايات المتحدة منتصف حزيران/ يونيو الماضي، الا أن إسرائيل تواصل شن غارات بين الحين والآخر، وتنفذ عمليات تفجير للمباني والمنشآت في المناطق التي تحتلها. وتمنع تل أبيب سكان المناطق التي تسيطر عليها من العودة، ويعول كثيرون منهم على الصور لمعرفة مصير منازلهم.
في المقابل، يقوم كثر من سكان مناطق لم تدخلها القوات الإسرائيلية، بتفقدها لوقت وجيز، من دون العودة للإقامة فيها راهناً. وزارت حاج علي المقيمة حالياً في بيروت، بلدتها للمرة الأخيرة في نيسان/ أبريل، ورأت أن "البيت انهار نصفه وبقي نصفه"، لكن "غرفتي مازالت مكانها وبقيت فيها بعض الأغراض. فكرة أننا لا نستطيع الدخول إلى القرية ولا إلى البيت، تؤلم كثيراً".
ولم تخف المعالجة النفسية الشابة الحنين إلى يومياتها السابقة، وهي تجول في معرض "احكيلي يا جنوب" الذي يستعيد ذاكرة جنوب لبنان عبر أرشيف من الصور والمقاطع المصورة. ويقام المعرض في "بيت بيروت"، وهو مبنى تراثي تحول متحفاً للذاكرة، ويحمل ندوب الحرب الأهلية بين العامين 1975 و1990.
وكانت حاج علي تتأمل عملاً في المعرض هو "مفاتيح بلا بيوت"، الذي يتضمن عبر مقاطع بالصوت والصورة، شهادات ثلاثة أشخاص من جنوب لبنان احتفظوا بمفاتيح لبيوتهم التي لم تعد موجودة. وقال معد العمل أديب فرحات (36 عاماً)، وهو أيضاً من جنوب لبنان، أن الفكرة راودته أثناء الحرب العام 2024، حينما خشي أن يخسر منزله.
وأكمل فرحات أن العمل يستكشف علاقة الناس بالمفاتيح بوصفها رمزاً للبيت والذاكرة. وأوضح: "راودني هاجس طوال الوقت: ماذا سيحل ببيتي؟ هل سيقصف؟ وكيف ستتغير علاقتي بمفتاح بيتي؟ هل سنصبح نحن الفلسطينيين الجدد؟"، في إشارة الى المفاتيح التي حملها معهم مئات الآلاف من الفلسطينيين بعد تهجيرهم الى الشتات إثر قيام إسرائيل العام 1948، وأصبحت رابطهم وتذكارهم الوحيد من بيوتهم التي اندثرت.
المعرض يوثق ذاكرة منازل الجنوب
ويعيد المعرض رسم معالم المنازل القروية في جنوب لبنان وحياة سكانها، من غرف النوم والجلوس، إلى مطابخ فيها أباريق زجاجية وركوة للقهوة وقوارير للتوابل. كما يتضمن صورة قديمة لمدينة صور الساحلية، ومقطع فيديو بالأبيض والأسود لمدينة النبطية، إضافة إلى دفاتر دون فيها الزوار ذكرياتهم عن الجنوب. وكتبت فتاة على إحداها "اشتقت للجنوب".
وضم المعرض أعمالاً منها "ما تبقى"، حيث تعرض المصممة والباحثة في السرد البصري سما بيضون (29 عاماً)، صوراً لبيت جدها في مدينة بنت جبيل المحاذية للحدود. وفي حين تسبب خلل تقني بظهور معظم الصور ضبابية، لكن ذلك جعلها تبدو أشبه بـ"حلم"، حسبما تقول بيضون المقيمة في باريس. وأوضحت: "كنت أحاول أن أروي قصة شخص يذهب لزيارة جديه في مكان مهدد".
وأضافت الشابة التي رأت منزل جدها آخر مرة العام 2025 قبل أن يدمر: "أذكر كم جمع هذا البيت أشخاصاً، وكيف كبرت عائلتي فيه، وكم عاصر من أجيال وشهد الحياة تتغير، فيما بقيت بعض الأشياء ثابتة، ففي كل يوم أحد كنا نجتمع ونتناول الوجبة نفسها على الغداء. كانت الحياة بسيطة جداً، لكنها كانت جميلة جداً".
وفي عمل فوتوغرافي بعنوان "خطوط التغريب"، استعرضت المصورة روان مازح (29 عاماً) قصة زوجين كانا سجينين في معتقل أقامته إسرائيل في بلدة الخيام بجنوب لبنان، أثناء احتلالها لهذه المناطق بين العامين 1978 و2000. وتولى "جيش لبنان الجنوبي"، وهو قوة محلية أنشأتها إسرائيل، إدارة المعتقل الذي نددت منظمات غير حكومية بحصول عمليات تعذيب وانتهاكات جسيمة فيه. ورأت مازح أن المعرض يوفر "مكاناً مريحاً يستطيع الناس أن يأتوا إليه ويشعروا بالقرب من أرضهم"، في ظل تعذر عودتهم إلى الجنوب.
المصدر: المدن
2026-07-20 || 21:18