"أن تكون سودانياً" لعبد الوهاب الأفندي: نوبي ناطق بالعربية
يقدم كتاب "أن تكون سودانيّاً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة" معالجة لقضية الهوية السودانية عبر منظور جديد يعيد قراءتها في ضوء عمقها التاريخي ويتتبع تجلياتها في السجالات المعاصرة.
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب أن تكون سودانيّاً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة، وهو من تأليف عبد الوهاب أحمد الأفندي.
يقدّم الكتاب معالجة جذرية لقضية شغلت الرأي العام في السودان والعالم، وسُفِكت بسببها دماء، وتعرضت البلاد لاضطرابات واسعة، وهي قضية الهوية السودانية. ويطرح منظوراً جديداً لهذه القضية، إذ يعيد قراءتها في ضوء عمقها التاريخي من جهة، ويتتبع، من جهة أخرى، تجلياتها في السجالات المعاصرة، لا سيما في كتابات عدد من السودانيين الذين كان لهم تأثير ملحوظ (أو سعوا إلى إحداث تأثير) في تطورات الهوية الوطنية ومساراتها خلال العقود الماضية. ويمكن اختصار خلاصة حجج الكتاب في جملة واحدة، مفادها أن السودان الحالي هو في جوهره كيان نوبي ناطق بالعربية، بوصفه نتاج حضارة ذات جذور عميقة في أرضه وتاريخه. وتتمثل الفرضية الأساس في أن الحضارة السودانية، وهي من أقدم حضارات العالم، تتميز بخصوصية تطورها الداخلي واستقلال مسارها التاريخي من غيرها من الحضارات. فبخلاف الحضارات الكبرى التي عاصرتها (من روما واليونان، إلى مصر وبلاد الرافدين، ثم الهند والصين، مع استثناء جزئي)، لم تتعرض الحضارة السودانية لاجتياحات واسعة من جانب قوى "بربرية" أو حضارات منافسة. فقد تمكّنت من صدّ معظم محاولات الاجتياح، بما في ذلك تأثيرات الجارة مصر، على الرغم من أنها أعادت تمثّل الحضارة المصرية بطريقتها الخاصة، بل أسهمت في حماية مصر وحضارتها في لحظة تاريخية حرجة، في القرن السابع قبل الميلاد، ومرّت لاحقًا بتأثيرات الإغريق والرومان والفرس الذين حكموا مصر، ثم العرب المسلمين.
وفي المقابل، تفاعلت مع محيطها الحضاري؛ إذ استفادت من الفكر الإغريقي في عهد البطالسة، ثم اعتنقت المسيحية طوعاً (تتوافر أدلة على أن المسيحية وصلت إليها مباشرة قبل روما وحتى بعض مناطق فلسطين). وتلقّت الحضارة النوبية الإسلام طوعاً بعد أن صدّت الفتح الإسلامي بأقواسها الشهيرة، وكانت أول حضارة في العالم تُبرم مع الخلافة الإسلامية اتفاق سلام. وبناء عليه، فإن الهوية السودانية تشكّلت في الأساس عبر ديناميات داخلية، لا كما تذهب إليه بعض التصورات المعاصرة التي تُرجِعها إلى الغزو أو الإكراه، وما يرتبط بذلك من أوهام تتصل بالدونية أو الافتتان بالخارج القاهر. صحيح أن جميع الهويات تُبنى على أساطير وسرديات لا تخلو من خيال، وهذا أمر شائع حتى في سياقات الحداثة، إلّا أن الهوية القائمة هي التي تختار أساطيرها.
اختار كتاب أن تكون سودانيّاً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة سبع عشرة سردية تأسيسية، شملت كتّاباً ومؤرخين وشعراء ومفكرين وشخصيات عامة (من بينها شخصية أجنبية واحدة)، أسهمت في تشكيل تاريخ السودان أو سعت إلى التأثير فيه، إلى جانب عشرات الشخصيات الأخرى من شعراء وزعماء، بدءاً من ممالك كوش ونبتة ومروي، وصولاً إلى العصر الحديث. وتهدف هذه السرديات إلى تفكيك فرضية الكتاب حول مسار تطور الهوية السودانية، عبر تتبّع من أسهم في بلورتها أو دعمها، ومن عارضها وسعى إلى مواجهتها.
وينصبّ الغرض على تقديم وصف واقعي لمسار تشكّل هذه الهوية، واقعاً وفكراً وسرداً، بما يتيح رسم الصورة التي تقوم عليها الفرضية، ويفتح المجال أمام قراءات أخرى لتأمّل هذا الكيان وتقديم رؤى وسرديات مكمّلة أو بديلة. فهذه السردية ليست خاتمة القول أو نهايته. ولكنها في الوقت نفسه، ليست طرحاً اعتباطياً منفصلاً عن المعطيات التاريخية والفكرية والواقعية.
المصدر: المدن
2026-05-26 || 21:53